وتأكيدًا لهذه"الحقيقة"وترسيخها في ضمير المجتمع البشري- ولا سيما في وجدان القادة، والزعماء، والمفكرين، والساسة، والمصلحين- أشار إلى أن"التمايز"أو التفاضل، إنما يكون بمدى تحقيق الخير الإنساني العام، دون أن يكون لاختلاف الأعراق، والألسنة، والألوان، دخل في هذا التفاضل، بل بما يعود على المجتمع البشري نفسه من أسباب الارتقاء في مدارج المعنى الإنساني، ومعراج العلم والحضارة، تحقيقًا للمصلحة الإنسانية العليا في المجتمع الدولي، لقوله تعالى: (يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم (( 93) وليس هذا الجعل الإلهي من الانتماء إلى الشعوب والقبائل، بمخل بالوحدة الإنسانية فتيلًا، ذلك لأن هذه الانتماءات الجزئية بدء طبيعي، وتدرج واقعي، بحكم الولادة والنشأة الأولى، سبيلًا إلى الارتقاء إلى مستوى الوحدة الإنسانية الشاملة- صلاحًا وإصلاحًا- بحيث يتسع شموله، ليغدو إنسانيًا عالميًا، إذ الإصلاح الحق، ينبغي أن يتسع نطاقه، كيلا يحرم من مزاياه أي شعب من شعوب الأرض، إذ النعمة ينبغي أن تعم ولا تخص، والعدل أو الرحمة ينبغي أن لا يتجزأ، وإلا كانت المحاباة، والتفرقة بالعنصر، وهو ما حاربه الإسلام حربًا لا هوادة فيها.
م-أقام الإسلام الدليل البيِّن على صدق تلك"الحقيقة"تمهيدًا لتحقيق الإصلاح العالمي، فكانت- في منطقه- القرآني- معتقدًا، بصريح النص القاطع، كما نوهنا، مما يكبر على العقلاء، والمفكرين، جحده وإنكاره.
لا أدل على صدق هذا المعتقد، من"وحدة التكوين الفطري"منذ أن أبدع أصل هذا"النوع البشري"على وجه هذه الأرض، إنسانًا: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة( (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى (( 94) . ولا ريب أن هذا نظر موضوعي حقيقي واقعي، يقرره العلم، مما لا يستطيع أحد فيه جدلًا.