أن الإسلام حين أقام حضارته الإنسانية على أساس من المفهوم الحقيقي الموضوعي الواقعي للإنسان العام، حيثما كان، دون تزييف أو تحوير، أو اجتزاء لذلك المفهوم الفطري، أو تمييز باللون، أو العنصر، أو اللغة، أو الدين، وشرع هذا المبدأ تشريعًا عالميًا إنسانيًا، وأبلغه للناس كافة، في خطاب إلهي إنساني عام، أقول: أن الإسلام إذ شرع ذلك، كان منطقيًا مع نفسه حين اعتبر"الإنسان"من حيث هو، وحيثما كان"القيمة الكبرى"في هذا الوجود، بل ومهيمنًا عليه، باعتبار أن هذا"الكون"بل وما في السموات، قد خلق مسخرًا له، يتصرف فيهما بطاقاته وملكاته التي فطر عليها، تصرف إبداع، وإصلاح، وتعمير، وانتفاع، واستثمار، بل جعل ذلك، مادة ابتلائه في حسن العمل وصلاحه مدى حياته، بل اعتبره"الغاية القصوى"من الوجود الإنساني كله على وجه هذه الأرض إلى أن تقوم الساعة، تجد هذا صريحًا في قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض( أي من أجل إصلاح هذا العالم، وقال تعالى: (تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة، ليبلوكم أيكم أحسن عملًا(. وقال جل شأنه: (هو الذي أنشأكم من الأرض، واستعمركم فيها( أي طلب إليكم إعمارها، مادة ومعنى، لإطلاق النص.