وموقفنا هو المقابل لهؤلاء وأولئك، فنحن لا نرفض دعوى الموسيقى ولا ملاحظتها في القرآن لأن الوزن أو العروض لا يشكل إلا وجهًا واحدًا لقضية لها جانبان ثانيهما هو الإيقاع، وإذا كان القرآن ينأى عن وزن الشعر ولو تلامحت فيه بعض أشطره وأبياته فإنه لا ينأى عن الإيقاع بل يتوسل به في نسقه العالي الجميل حقيقة لا ادعاء، ولا نتحرج من استعمال المصطلح ما دام هذا المصطلح أو سواه مما يحمل معناه قد دخل معجمنا ولغتنا ونقدنا وأصبح جزءًا من فكرنا التراثي، ونحن في زمن يعنينا فيه أن نوضح خصوصية كتابنا المقدس ومبلغ إعجازه فنًا وأداء أكثر مما تعنينا أو تحرجنا حساسية فائقة أو زائفة تجاه بعض المصطلحات، وأنه لخير لنا- فيما أتصور- ولقرآننا أن نستعمل مصطلحًا عالميًا هو من خصائص التعبير السامي الرفيع فنثبت أن أسلوب القرآن- معجزة العربية الأولى- يتوسط به ويتوسل، ويبدع في هذا التوسط والتوسل من أن ننأى عن استعماله ونتحرج ونؤثر عليه كلمات لا يفهمها سوى أصحابها، كلمات أصبحت اليوم من الماضي البعيد. ثم لنا أن نتساءل ما جدوى الرفض أو الحرج ما دام المصطلح لا يمس العقيدة ولا الشريعة بقدر ما يوضح روعة القرآن أسلوبًا وأداء، ويبين أو يساعد على بيان مدى إعجازه؟
لا جناح عليَّ إذن ولا تثريب إذا استعملت مصطلح الموسيقى في القرآن بالدلالة التي أوضحتها، وسأصرف همي في هذا الفصل للتدليل على أن الكتاب الكريم في تعبيره وطريقة أدائه يسعى نحو الموسيقى، ويتوخاها بدقة كبرى، يتغياها عن قصد وهدف حتى يكون في أسلوبه أوقع وأحكم، وفي تعبيره أكثر أناقة وأشد إشراقًا وتأثيرًا.