حين نتملى هذه الأمثلة والنماذج، وننعم النظر فيها فإنا نلاحظ أن التناسب أو الاتزان في التعبير هو مظهر في بيان القرآن، وهذا المظهر الإيقاعي المتلاحم ينسجم مع طبيعة السماع أو التلقي، فالأذن ترفض أن تقبل الارتكاز المتتالي أو النبر الشديد في كلمتين متعاقبتين، بل إنها لترفض صيغة النقرة القوية يليها نقرتان خفيفتان أو زمنان ضعيفان وإعادة ذلك بصورة معكوسة أو صيغة نقرة قوية فضعيفة ثم أخرى قوية فرابعة ضعيفة تساوي زمن الثانية، وإنما تقبل أو تستريح للتوازن وتلذ به وتنتشي.
لنقرأ قوله تعالى: ]ذكر رحمة ربك عبده زكريا، إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب إني وهن العظم مني، واشتعل الرأس شيبًا ولم أكن بدعائك ربِّ شقيا[، تشكل وسط الآية الإيقاعي حسب مواطن الارتكاز أو النبر، أو حسب النقرات القوية والضعيفة هو على الصورة التالية:
قال رب إني وهن العظم مني
وهي صورة متوازنة ومنسجمة تقبلها الأذن وتستريح لها، فلو صرفنا السمع عن موسيقى الفواصل مؤقتًا، وحاولنا أن نغير وضع كلمة منّي فنجعلها سابقة لكلمة العظم، وأعدنا الياء المحذوفة أو المخطوفة إلى كلمة رب حتى يصبح التشكل النغمي هكذا:
قال ربي إني وهن مني العظم
لأحسسنا ما يشبه التقلقل أو الاضطراب في نغم الإيقاع، والسبب في ذلك واضح لأن الأذن ترفض صورة الارتكاز المتتابع أو توالي النقرات القوية والضعيفة بالصورة السالفة، صورة التردد الرتيب وتؤثر عليه التنوع مع التناسق، أو الانسجام في توالي المقاطع.
إن دور الموسيقى في القرآن- هذا الدور الكبير- لا تنبع أهميته من أنه أحد عناصر الأسلوب الفني أو وسيلته البارزة وسيلة التصوير والتعبير والتأثير فحسب بل لأن له هدفًا دينيًا أولًا، ولأننا نستطيع أن نجعله- ثانيًا- أساسًا أو معيارًا أو مفتاحًا- اختر ما شئت- لأحد علوم القرآن الكريم.