فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 23694

والحقيقة، أنه ينكر الاقتران بين الحوادث، فلا سبب ولا مسبب إلا من الله، يقول:"الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا وما يعتقد مسببًا ليس ضروريًا عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف. فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه، يخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريًًا في نفسه، غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة، وهلم جرا إلى جميع المقترنات (33) ."

وهكذا يتابع الغزالي المنطق الذي بدأه، فيشككنا في المقترنات كلها. ولكن اقتران المقترنات، وإن كان عقليًا، فهو وجودي قبل أن يكون عقليًا: إنه خاضع لصيرورة الوجود، وليس خاضعًا للعقل بما هو عقل، بل بما هو عقل لأفكار وصل الفكر إليها بملاحظة الصيرورة. والحقيقة، لو أننا اكتفينا بالعقل المستقل عما يجري في الواقع، لما استطعنا أن نجد علاقة بين الري والشرب، أو بين الشبع والأكل، أو بين الاحتراق ولقاء النار، الخ... ولكننا حينما ننظر إلى الواقع، ونجاري صيرورة الحوادث، لا نستطيع أن نتصور ريًا دون شرب، ولا شبعًا دون أكل، ولا احتراقًا دون لقاء النار/، الخ...

ويأخذ الغزالي مثال احتراق القطن، وينكر أن تكون النار هي المحرقة من دون إرادة الله. وهو يسلك في ذلك ثلاثة مسالك.

المقام الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت