فهرس الكتاب
وهو أن يدعي الخصم أن فاعل الاحتراق هو النار فقط، وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار، فلا يمكنه الكف عما هو في طبعه، بعد ملاقاته لمحل قابل له (34) ، ويتساءل الغزالي قائلًا:"فما الدليل على أنها الفاعل؟ وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عندها، ولا تدل على الحصول بها، وأنه لا علة له سواها، إذ لا خلاف في أن انسلاك الروح والقوى المدركة المحركة في نطفة الحيوانات، ليس يتولد عن الطبائع المحصورة، في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولا أن الأب فاعل ابنه، بإيداع النطفة في الرحم، ولا هو فاعل حياته وبصره وسمعه وسائر المعاني التي هي فيه، ومعلوم أنها موجودة عنده، ولم يقل أحد أنها غير موجودة به، بل وجودها من جهة الأول، أما بغير واسطة، وأما بواسطة الملائكة الموكلين بهذه الأمور الحادثة (35) ".
ولكن، لندقق النظر قليلًا في هذا الكلام.
إن الغزالي يفرق بين"الحصول عند"و"الحصول بـ"، ويبدو من كلامه، أن"الحصول عند"يفيد معنى الحدوث العارض، وأن"الحصول بـ"يفيد معنى الخلق. وبما أن الخلق فعل رباني، فإن المشاهدات كلها تدل على"الحصول عند"لا على"الحصول بـ"لأن"الحصول بـ"لا يمكن إلا أن يكون من جهة الأول بغير واسطة أو بواسطة الملائكة. وهذا يبرز لنا الصفة الدينية لكلام الغزالي، ويجعلنا نفهم أن تشكيكه يبغي ردنا إلى الدين، الذي هو منبع كل يقين. ولكن، لنتابعه في تفكيره.