فهرس الكتاب
أما المقام الثاني فمع من يسلم أن هذه الحوادث تفيض من مبادئ الحوادث، ولكن الاستعداد لقبول الصور يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة، عندما تصدر الأشياء عن تلك المبادئ لزومًا وطبعًا، لا على سبيل التروي والاختيار. وتكون المبادئ فاعلة دائمًا في هذه الحال. ولكن المحال تختلف في قبول فعلها، فتفعل حينًا ولا تفعل حينًا. ومثال ذلك صدور نور الشمس عنها، إذ أن الجسم الصقيل يقبل شعاع الشمس، ويرده، حتى يستضيء به موضع آخر، في حين أن المدر لا يقبله. لهذا كان المبدأ واحدًا، وكانت آثاره مختلفة لاختلاف الاستعدادات في المحل (36) .
ولكن هذا لا يعني أن المبادئ لا تفعل بالاختيار، وأن الله لا يفعل بالإرادة. فإذا ثبت أن الفاعل يخلق الاحتراق بإرادته، عند ملاقاة القطنة النار، أمكن في العقل، أن لا يخلق الاحتراق، مع وجود الملاقاة (37) .
وهنا يصل بنا الغزالي إلى غايته، وهي أن المبادئ نفسها لا تفعل بالاختيار، وهي خاضعة لإرادة الله. وهذا هو المفهوم الديني الذي يرى أن كل ما يحدث إنما يحدث بمشيئة الله. وبما أن مشيئة الله هي الحكم الأخير في هذه الأمور، كان من الممكن في العقل، أن لا يخلق الاحتراق عند ملاقاة الجسم للنار: ألم ينج إبراهيم من النار التي ألقي فيها، فلم يحترق؟