فهرس الكتاب
بيد أن التسليم بهذا يجر إلى محالات شنيعة. والغزالي يعرف هذه المحالات، فيتصور ما يمكن أن يعترض به عليه، فيقول:"فإن قيل: فهذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة، فإنه إذا أنكر لزوم المسببات عن أسبابها، وأضيفت إلى إرادة مخترعها، ولم يكن للإرادة أيضًا منهج مخصوص معين، بل أمكن تفننه وتنوعه، فليجوز كل واحد منا، أن يكون بين يديه سباع ضارية، ونيران مشتعلة، وجبال راسية، وأعداء مستعدة بالأسلحة لقتله، وهو لا يراها لأن الله تعالى ليس يخلق الرؤية له. ومن وضع كتابًا في بيته، فليجوز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته، غلامًا أمرد، عاقلًا متصرفًا، أو انقلب حيوانًا (38) ". وجواب الغزالي عن ذلك:"أن الله تعالى خلق لنا علمًا بأن هذه الممكنات لم يفعلها، ولم ندع أن هذه الأمور واجبة، بل هي ممكنة، يجوز أن تقع ويجوز أن لا تقع، واستمرار العادة بها، مرة بعد أخرى، يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية، ترسيخًا لا تنفك عنه (39) ".
وهنا يضعنا الغزالي مرة أخرى أمام إرادة الله: فالمعقولات ثابتة لأن الله شاءها أن تكون كذلك. وإذا نحن فكرنا وفقًا لها، فلأن الله يريدنا أن نفكر كذلك: فالدين أساس المعقول. وهكذا، بدلًا من أن يردنا إلى الوجود وصيرورته، يردنا إلى الله، ويربط العقل به.
لكن الغزالي يعرف أن ما أتى به هو نوع من التشنيع، ولذلك يرتد إلى الطريق المألوف وهو مقامه الثالث. يقول:"المسلك الثاني وفيه الخلاص من هذه التشنيعات، وهو أنا نسلم أن النار خلقت خلقة إذا لاقاها قطنتان متماثلتان، أحرقتهما ولم تفرق بينهما، إذا تماثلتا من كل وجه."