فهرس الكتاب

الصفحة 654 من 23694

ولكن، لندع هذا الآن ولننظر كيف تابع تفكيره. هناك نلاحظ أنه يترجح بين الدين والتصوف، ولكن، إلى أين يميل في نهاية أمره؟ وهل هذا الميل طبيعي أو مفتعل؟ يقول:"أعلم أن العقل لن يهتدى إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأس، والشرع كالبناء، ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس. وأيضًا، فالعقل كالبصر، والشرع كالشعاع! ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر... وأيضًا، فالعقل كالسراج، والشرع كالزيت الذي يمده، فما لم يكن زيت، لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج لم يضيء زيت... فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان، بل متحدان (42) ."

من هذا الكلام نلاحظ، أن العقل والشرع يؤلفان شيئًا واحدًا في نظر الغزالي بل إنهما وجهان مختلفان لشيء واحد. ومع ذلك، هناك فروق في المعرفة التي يحصلها كل من العقل والشرع: فالعقل قليل الغناء، لا يكاد يتوصل إلى معرفة كليات الشيء دون جزئياته، نحو أن يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق، وتعاطي الجميل وحسن استعمال المعدلة، وملازمة العفة، ونحو ذلك، من غير أن يعرف ذلك في شيء شيء. والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته، ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء شيء، وما الذي هو معدلة في شيء شيء (43) .

ومعنى هذا، أن معرفة الشرع أتم من معرفة العقل، فالشرع يعرف الكليات والجزئيات، في حين لا يعرف العقل إلا الكليات. ولذلك، كان لا بد من تطابق العقل والشرع في القضايا الكلية، ولا بد من لجوء العقل إلى الشرع في القضايا الجزئية..

فكأن الشرع عقل أعلى مرتبة من مرتبة العقل ذاته، فإذا اتحدا معًا، أصبحا عقلًا واحدًا لا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ.

أما إذا انفصلا، فالعقل عرضة للخطأ في الأمور الجزئية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت