فهرس الكتاب
بيد أن الشرع بحاجة أيضًا إلى مبدأ يستمد منه يقينه، شأنه في ذلك شأن العقل. فإذا عادت الثقة إلى العقل بالنور الذي قذفه الله في الصدر، فالشرع من باب أولى بحاجة إلى هذا النور. والحقيقة فكل منهما بحاجة إلى الكشف، بحاجة إلى إلهام رباني، ولا سبيل إلى ذلك بالتجربة (44) .
إذ وراء العقل ظهور آخر، تتضح فيه عين أخرى تبصر الغيب، وما سيكون في المستقبل وأمورًا أخرى العقل معزول عنها (45) ، وهذا الطور هو طور النبوة. بيد أن هذا الطور ليس وقفًا على الأنبياء وحدهم، فقد أعطى الله عباده أنموذجًا منه، وهذا الأنموذج هو النوم، الذي يرى فيه النائم ما سيكون من الغيب، أما صريحًا وأمًا في كسوة مثال يكشف عنه التعبير (46) . فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعًا من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضًا عبارة عن طور يحصل فيه نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل (47) .
وهكذا تكون النبوة طورًا أعلى من طور العقل، كما كان العقل طورًا أعلى من طور الحس. والنبوة وإن كانت مقتصرة على الأنبياء، غير أن الله أعطى عباده أنموذجًا منها، هو النوم، فالنوم نوع من الإلهام والنفث في الروح، والنبوة مقترنة بالوحي، وكلاهما نوع من الكشف، كما مر معنا.
ومعنى هذا، أن أدوية العبادات -وهي التقاليد والعقائد الموروثة- تحتاج إلى طور أعلى من طور العقل، وهذا الطور هو النبوة، التي هي نوع من الكشف، بل أعلى درجاته.
ولكن الغزالي لا يعتقد هذا بصدد العبادات فحسب، بل يشمل ما نسميه علومًا طبيعية. يقول"ودليل إمكانها (النبوة) وجودها، ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل، كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها، علم ضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي، وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة (48) ".