فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 23694

وإذا كانت النبوة طورًا أعلى من طور العقل، فهي وقف على الأنبياء، ولا يمكن للإنسان العادي أن يدرك سرها إلا بأنموذج النوم. ولكن النوم أمر عابر، وهو يعرض لكل إنسان في أوقات متباينة، وظروف مختلفة. فهل من أمر آخر بإمكانه أن يكون أنموذجًا أكثر تجسيدًا للنبوة من النوم، في رأي الغزالي؟ نعم: التصوف. يقول الغزالي:"إني علمت يقينًا، أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئًا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلًا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به (49) ".

وهذا يعني، أن النوم والتصوف هما الطريقان إلى إدراك النبوة، التي من خواصها نوع من الإدراك خارج عن مدركات العقل."وأما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق، من سلوك طريق التصوف، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته، وهو النوم، ولولاه لما صدقت به."

فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلًا، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم: وذلك الأنموذج يحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل، ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه. فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة (50) "."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت