فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 23694

وإذن، فالذوق الحاصل عند المتصوفة هو السبيل إلى إدراك النبوة، فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية (51) ، وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها -وهي أول شروطها- تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار، والكسب من أوائلها. وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه. ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتًا، ويقتبسون منهم فوائد (52) .

ولكن المتصوفة، حينما يدركون النبوة بالذوق، يبلغون أقصى مرتبة من مراتب الإدراك: فأقصى الرتب درجة النبي، الذي تتكشف له كل الحقائق أو أكثرها، من غير اكتساب وتكلف، بل بكشف إلهي، في أسرع وقت. وهذه هي السعادة التي تحصل للإنسان، تقربه إلى الله تعالى، تقريبًا لا بالمكان والمسافة، ولكن بالمعنى والحقيقة (53) . ولكن منازل السائرين إلى الله تعالى لا تنحصر، وإنما يعرف كل سالك المنزل الذي بلغه في سلوكه، فيعرف ما خلفه من المنازل. فأما ما بين يديه، فلا يحيط بحقيقته إلا بطرق الجملة، والإيمان بالغيب، فلا يعرف حقيقة النبي إلا النبي (54) . فلا يعرف عاقل ما انفتح لأولياء الله وأنبيائه، من مزايا لطفه ورحمته... فهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود الإلهي، غير مضنون بها على أحد. ولكن، لا بد من الاستعداد للقبول، بتزكية النفس وتطهيرها من الخبث والكدورة. وكما أن الصورة المتلونة ليس فيها منع من أن تنطبع في الحديد الخبيث، إلا الحجاب من جهة الحديد في صدئه وخبثه، وافتقاره إلى صيقل يجلوه ويزيل خبثه ويجليه، فهكذا ينبغي أن تعتقد أن الحجاب من جانبك، لا من جانب الرحمة الإلهية (55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت