فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 23694

فكذلك نفس الآدمي مستعدة لأن تصير مرآة يحاذي بها شطر الحق في كل شيء، فتنطبع بها كأنها هو من وجه، وإن كانت غيره من وجه آخر، في الصورة والمرآة. وكمالها في مثل هذه الدرجة (56) . فإن جاهد (الآدمي) نفسه، التحق بأفق الملائكة، وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم الخبث على مرآة النفس، بإتباع الشهوات، اسود قلبه، وتراكمت ظلمته، وبطل بالكلية استعداده، والتحق بأفق البهائم، وحرم سعادته وكماله حرمانًا أبديًا لا تدارك له (57) .

فإذن، العمل معناه كسر الشهوات، بصرف النفس عن صوابها، إلى الجنبة العالية الإلهية، ليمحي عن النفس الهيئات الخبيثة والعلائق الردية، التي ربطتها بالجنبة السافلة، حتى إذا محقت تلك العلائق أو ضعفت حوذي بها نحو النظر في الحقائق الإلهية، ففاضت عليه من جهة الله تعالى، تلك الأمور الشريفة، كما فاضت على الأولياء والأنبياء والصديقين (58) .

هذه طريق الصوفية، وهي طريق مجاهدة وذوق، لا طريق علم ودراسة. فإن الصوفية لم يحرضوا على تحصيل العلوم ودراستها، وتحصيل ما صنفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور، بل قالوا:

الطريق تقديم المجاهدة، بمحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكل الهمة على الله تعالى. ومهما حصل ذلك، فاضت عليه الرحمة، وانكشف له سر الملكوت وظهرت له الحقائق، وليس عليه إلا الاستعداد بالتصفية المجردة، وإحضار النية مع الإرادة الصادقة والتعطش التام، والترصد بالانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة (59) .

ذاكم طريق اليقين الذي لا يقين غيره.

وهو الذي سلكه الغزالي نفسه، فأدى به إلى الخروج من شكه، بنور قذفه الله في صدره. إنه يقين المتصوفة، بعد صقل النفس وتهذيبها، وجعلها مستعدة لتلقي الجود الإلهي. ولكن، ما معنى النور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت