فهرس الكتاب
يرى الغزالي أن النور يفهم على أنحاء ثلاثة: فهم العوام وفهم الخواص وفهم خواص الخواص، ولكن النور على حقيقته كما يفهمه خواص الخواص. يقول:"ثم تعرف درجات الأنوار المذكورة المنسوبة إلى خواص الخواص، وحقائقها، لينكشف لك عند ظهور درجاتها، أن الله تعالى هو النور الأعلى الأقصى، وعند انكشاف حقائقها، إنه النور الحق الحقيقي وحده لا شريك له فيه (60) ".
ولكن النور الحق الحقيقي لا يدرك إلا بالنور، ولا سيما النور الملتفت إلى عالم الغيب، نور العقل ونور النبوة. ولكن كل نور غير نور الله هو نور على المجاز، لأنه نور مستعار، والنور الحقيقي للمعير. يقول الغزالي:"إذا عرفت أن الأنوار لها ترتيب، فاعلم أنه لا يتسلسل إلى غير نهاية، بل يرتقي إلى منبع أول، هو النور لذاته وبذاته، ليس يأتيه نور من غيره، ومنه تشرق الأنوار كلها على ترتيبها. فانظر الآن اسم النور أحق وأولى بالمستنير المستعير نوره من غيره، أو بالنِّير في ذاته، المنير لكل ما سواه؟ فما عندي أنه يخفى عليك الحق فيه. وبه يتحقق أنه اسم النور أحق بالنور الأقصى الأعلى الذي لا نور فوقه، ومنه ينزل النور إلى غيره. بل أقول ولا أبالي: إن اسم النور على غير النور الأول مجاز محض: إذ كل ما سواه، إذا اعتبرته ذاته، فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له، بل نورانية مستعارة من غيره، ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها، بل بغيرها. ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض (61) ".