فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 23694

ولكن النور هو الوجود، والظلمة هي العدم. لهذا كان الله هو الوجود، وكان ما عداه عدمًا في ذاته، موجودًا بالنسبة إلى الموجود الحق. فمهما عرفت أن النور يرجع إلى الظهور والإظهار ومراتبه، فاعلم أنه لا ظلمة أشد من كتم العدم: لأن المظلم سمي مظلمًا، لأنه ليس للأبصار إليه وصول، إذ ليس يصير موجودًا للبصير، مع أنه موجود في نفسه. فالذي ليس موجودًا لا لغيره ولا لنفسه، كيف يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة؟ وفي مقابلته الوجود فهو النور: فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته، لا يظهر لغيره. والوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته، وإلى ما له من غيره. وما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه.

بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته، فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقي... فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله تعالى (62) .

إن هذه الحقيقة قد أدركها المتصوفة، بل أبصروها بالمشاهدة العيانية، حينما ترقوا من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكموا معراجهم، فرأوا أنه ليس في الوجود إلا الله تعالى، وأن"كل شيء هالك إلا وجهه"أزلًا وأبدًا (63) . بيد أنهم وإن اتفقوا بعد عروجهم إلى سماء الحقيقة، إلا أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق؟ فقد اختلفوا في تحديد هذا الحال: فمنهم من كان لهم عرفانًا علميًا، ومنهم من صار له حالًا ذوقيًا. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المختصة، واستوفيت فيها عقولهم، فصاروا كالمبهوتين فيه، ولم يبق فيهم متسع لا لذكر الله ولا لذكر أنفسهم أيضًا، فلم يكن عندهم غير الله، فسكروا سكرًا دفع دونه سلطان عقولهم...

وهذه الحالة إذا غلبت، سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء، بل"فناء الفناء":

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت