فهرس الكتاب
لأنه فني عن نفسه، وفني عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال، ولا بعدم شعوره بنفسه. ولو شعر بعدم شعوره بنفسه، لكان شعر بنفسه. وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق بلسان المجاز اتحادًا، وبلسان الحقيقة توحيدًا (64) .
وهكذا وصل الغزالي إلى حالة الفناء الصوفية، فتجلت له الحقيقة، فإذا كل شيء نور، وكل نور يفيض من ينبوع النور.
وبهذا الصدد يقول:"وأما الأنوار العقلية المعنوية، فالعالم الأعلى مشحون بها، وهي جواهر الملائكة، والعالم الأسفل مشحون بها، وهي الحياة الحيوانية ثم الإنسانية، وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل، كما بالنور الملكي ظهر نظام عالم العلو... فإذا عرفت هذا، عرفت أن العالم بأسره مشحون بالألوان الظاهرة البصرية والباطنة العقلية، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض، فيضان النور من السراج، وأن السراج هو الروح النبوي القدسي، وأن الأرواح النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور، وأن العلويات بعضها مقتبسة من بعض، وأن ترتيبها ترتيب مقامات."
ثم ترقى جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول، وأن ذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقي نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز (65) .
وهكذا يصل الغزالي إلى وحدة الوجود، إذ أن النور هو الوجود كما رأينا، ووحدة النور هي وحدة الوجود. ومنه نرى أن أزمة الشك عنده، انتهت بالوجد الصوفي، الذي وصل به إلى الاتحاد والتوحيد. ولكن الغزالي لم يكن يرضى بهذه النهاية، فقد شعر أنه تجاوز الحد، وأن العقيدة الإسلامية تتنافى مع هذه النتيجة. ولهذا ما عتم أن تراجع في"المنقذ من الضلال"عن هذه الحال، وعاد ليسير في طريق الدين القويم.
ونحن لا نستبعد أن يكون سمي"المنقذ"منقذًا من الضلال، للتعبير عن هذه الحالة.