فهرس الكتاب
وههنا لا بد لنا أن نستشهد بقول من أقواله، كنا ذكرنا بعضه، ونريد الآن أن نذكر تتمته، لنصل ما انقطع، وندرك حقيقة ما يريده. يقول:"ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتًا، ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجة يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه. وعلى الجملة، ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ (66) ."
فإذا نبذ الإنسان مثل هذه التخييلات، كان لا بد له من أن ينتهي إلى الإيمان.
فصحبة المتصوفة تمكنه من إدراك حقيقة النبوة، التي هي مصدر كل إيمان. وهذه حالة يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها.
فمن لم يرزق الذوق، فيتيقنها بالتجربة والتسامع، إن أكثر معهم الصحبة، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقينًا. ومن جالسهم استفاد منهم هذا الإيمان، فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم، فليعلم إمكان ذلك يقينًا بشواهد البرهان (67) .
وهكذا نجد أن الغزالي يؤمن بثلاث طرق للوصول إلى اليقين وإدراك ما أدركه النبي حين كان يتعبد في غار"حراء" (68) .
وهذه الطرق هي التي نص عليها كما يأتي:
"والتحقيق بالبرهان علم، وملابسة عين تلك الحالة ذوق، والقبول من التسامع والتجربة بحسن الظن إيمان (69) ". وهي وجود اليقين عنده. غير أن الأول كان موضع شك، حينما وصلت أزمة الغزالي إلى أوج حدتها، في حين أن الاثنين الآخرين هما مصدر اليقين لديه.