فهرس الكتاب
كما أن اجتماع الطفل بغيره يثير لديه مجال المنافسة والمباراة وينمي شعوره، ووجود الأطفال مع غيرهم يهيئ لهم هذه الفرص، ويجعلهم يستفيدون من تقليد بعضهم بصورة جماعية، ومن الأخذ بعاداتهم وصفاتهم الأمر الذي يعود الطفل على السلوك الاجتماعي مع الآخرين ليتدرب على مشاكل الحياة منذ نشأته الأولى، ولا شك فإن شخصية الطفل لا تنمو إلا في الوسط الاجتماعي الصالح لإظهار ميوله وتهذيب غرائزه وتعويده على المسؤولية المشتركة، وتكييف نفسه لانسجامه مع الغير، وهذه هي الغاية الكبرى للتربية في قديمها وحديثها.
يتضح من ذلك أن التربية الإسلامية قد استغلت ميل الطفل للتقليد منذ صغره وذلك في سبيل تنمية أخلاقه وتربيته تربية فاضلة، واستفادت من محبة الأشخاص الذين يجتمع بهم الطفل كمعلمه ورفاقه وكذلك من معاشرته لمن يألفهم أو يصاحبهم في المدرسة والمحيط للمنافسة والمباراة وما ينتج عن ذلك من الفوائد التربوية التي يراها المسلمون طرقًا فعالة في التهذيب الخلقي وفي ذلك يقول ابن سينا في كتابه (السياسة) :"إن الصبي يحادث الصبيان والمحادثة تفيد انشراح العقل وتحل منعقد الفهم، لأن كل واحد من أولئك إنما يتحدث بأعذب ما رأى وأغرب ما سمع فتكون غرابة الحديث سببًا للتعجب منه، والتعجب منه سببًا لحفظه وداعيًا إلى التحدث به ثم إنهم يترافقون ويتعارضون الحقوق وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهاة والمساجلة والمحاكاة وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم، وتحريك لهممهم وتمرين لعاداتهم".
5-النتائج المترتبة على نظرة التربية الإسلامية للتهذيب الخلقي:
يستنتج من ذلك أن التربية الإسلامية تنظر إلى أهمية تكوين الشخصية في الوسط الاجتماعي، وترى أن الطفل يقلد غيره ويتحسس من تشجيع الآخرين وإثارتهم وكأن ابن سينا يعني بقوله المار الذكر بضرورة إعداد الطفل منذ صغره لبيئة اجتماعية تؤهله لأن يعيش ويصبح رجلًا في المستقبل يقوم بواجبه لأمته ووطنه.