ومن الباحثين من عرض لهذا التعريب الغريب حقًا، كالشيخ طاهر الجزائري في كتابه (التقريب) ، وهو عالم في العربية والفارسية، بل له في الصنعة نفاذ فهو فيها أستاذ. قال الجزائري: (ومن ذلك التاريخ، وقد وقع الاضطراب في أصله كثيرًا... فنقول: التأريخ مصدر أرَّخ يؤرخ، وهو مأخوذ من -ماه روز- ومعنى ماه: الشهر، ومعنى روز: اليوم) . وحاول أن يعلل وجه التعريب فقال (فحذفت من -ماه روز- الألف وأبدلت فيه الهاء همزة، والزاي خاء، فصارت مأروخ. ثم أخذ من لفظ -مأروخ- الفارسي الأصل، لفظ الآرخ. ومن لفظ الأرخ أُخذ أرّخ ويؤرخ وتاريخ) . واستدرك فقال: (وقد تبين بما ذكر أنه لم يقع هنا تعريب على الوجه المعتاد.. ولذلك اشتد فيه الأشكال..) .
وذكر الشيخ الجزائري ما جاء في بعض المظان من أن عمر قد استشار ملك الأهواز في أمر التأريخ، وكان قد أسلم على يده، فقال له: (أن للعجم حسابًا يسمونه ماه روز... فعربوا لفظ ماه روز بمؤرخ، وجعلوا مصدره: التأريخ وصرّفوه) .
أقول إذا كان (ماهْ روزَه) بسكون الهاء الأولى وفتح الزاي، في اللغة الفارسية، بمعنى (التاريخ) كما جاء في المعجم الذهبي، فينبغي أن يكون لمعرّبه هذا المعنى، فكيف اتفق لهذا المعرّب أن يكون بلفظ (المؤرخ) على صيغة اسم الفاعل، ليشتق منه المصدر؟
أفليس في توجيه تعريب اللفظ، على هذه الصورة، تكلفًا واضحًا يوحي بالشك في نسبته إلى الفارسية ويدعو إلى القول بعروبته، ولاسيما وأن العرب قد اتسعت في تصريفه فقالوا (أرخ) بالتخفيف و (أرّخ) بالتثقيل و (ورّخَ) بالواو و (آرخ) بالمد. وإذا كان ابن فارس قد ذهب في المقاييس (1/94) إلى أن (التأريخ) لم يسمع عن العرب، فقد جاء في الجمهرة (2/216) أنه (ذكر عن يونس وابن مالك أنهما سمعاه عن العرب) .
وجاء في الكتاب (ص/57 و 58 و 59) :
قال أبو منصور: [قال الأصمعي] (1) : (التُرّ) (2) الخيط الذي يُمدّ على البناء فيبنى عليه وهو أعجمي معرَّب، واسمه بالعربية (الإمام(3) .