أخبرنا أبو العز بن كادش إذنًا ومناولة وقرأ على إسناده، أنا محمد بن الحسين، أنا المعافى بن زكريا، أنا محمد بن الحسن بن دريد، أنا أبو الفضل الرياشي، عن محمد بن سلام قال (16) :
بلغني عن غرير بن طلحة الأرقمي قال: قال لي أبو السائب -وكان من أهل الفضل والنسك- هل لك في أحسن الناس غناء، لا تسأمه؟ [وكان علي يومئذ طيلسان لي أسميه] (17) من غلظه وثقله: مقطع الأزرار؛ قال: فخرجنا حتى جئنا الجبانة إلى دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة، فأذن لنا، فدخلنا بيتًا طوله اثنا عشرة ذراعًا في مثلها، وطول البيت في السماء ستة عشرة ذراعًا. وفي البيت نمرقتان قد ذهب عنهما اللحمة، وبقي السدى، وقد حشيتا بالليف، وكرسيان قد تفككا مِنْ قدمهما، بينهما مرفقتان (18) . ثم طلعت علينا عجفاء، عليها قرقل (19) هروي أصفر غسيل لم يجدد في الصبغ، وكأن وركيها في خبط من رسحها (20) . فقلت لأبي السائب: بأبي أنت، ما هذه؟ قال: اسكت! فتناولت عودًا، فضربت، ثم غنت (21) :
بيد الذي شغف (22) الفؤاد بكم... تفريج ما ألقى من الهم
فاستيقني أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم
قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم
قال: فتحسنت في عيني، فبدا ما أذهب الكلف عنها. وزحف أبو السائب، وزحفت معه. ثم تغنت (23) :
برح الخفاء، فأي ما بك تكتم؟... ولسوف يظهر ما تسر فيعلم
مما تضمن من غرير (24) قلبه ... يا قلب إنك بالحسان لمغرم
بل ليت أنك يا حسام (25) بأرضنا ... تلقي المراسي طائعًا (26) وتخيم
فتذوق لذة عيشنا ونعيمه (27) ... ونكون إخوانًا (28) فماذا تنقم؟
فقال أبو السائب: إن نقم هذا فأعضه الله بكذا وكذا من أمه -ولا يكني- وزحفت مع أبي السائب حتى قاربنا النمرقتين، وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق شيب بماء مزنة. ثم غنت:
يا طول ليلي أعالج السقما... إذ حل كل (29) الأحبة الحرما
ما كنت أخشى فراقكم أبدًا (30) ... فاليوم أمسى فراقكم عزما