فهرس الكتاب
وقد انتقلت هذه المؤثرات العربية، بواسطة هذه الطريقة، من خلال الزيارات الدائمة التي كان يقوم بها الدراويش الألبانيون إلى الأماكن المقدسة، وخاصة إلى العراق. فقد كانت التقاليد توجب إرسال الدراويش الألبانيين إلى الأماكن المقدسة (كربلاء، النجف، بغداد، مكة، المدينة، فلسطين) لمدة ثلاث سنوات، لكي يتلقوا إعدادًا روحيًا أفضل. وبالإضافة إلى هذا، كان الدرويش يرسل فورًا في زيارة للأماكن المقدسة"البعيدة"فيما لو اقترف ذنبًا ما، وذلك لكي يتطهر من ذلك الذنب ولكي يعاني قليلًا في الذهاب والعودة التي كانت تستغرق شهورًا طويلة. ومن الطبيعي أن تؤدي إقامة الدراويش الألبانيين في الأماكن العربية لعدة سنوات إلى أن يحملوا معهم لدى عودتهم بعض المؤثرات العربية.
وفي هذا الاتجاه، لا بد أن نشير أيضًا إلى دور تكية القاهرة، التي تحولت إلى ألبانية منذ منتصف القرن 19، حيث تعاقب عليها الآباء الألبانيون فقط. وقد كان يأتي إلى هذه التكية الدراويش الألبانيون من المناطق الألبانية سواء للزيارة أو للإقامة. وفي هذه التكية تخرّج بعض الدراويش الألبانيين وأرسلوا إلى المناطق الألبانية. وفي هاتين الحالتين لدينا جسر لعبور المؤثرات العربية إلى الأدب الألباني. ففي الحالة الأولى لدينا الشاعر بابا علي توموري، وفي الحالة الثانية لدينا الشاعر بابا ملك شمبرذيني، اللذين سنتكلم عنهما فيما بعد في الفصل الثاني.
وقد انتشرت هذه المؤثرات العربية في المناطق الألبانية عن طريق المؤسسة البكتاشية، التكية. فهذه المؤسسة لم تكن دينية بحتة، بل اجتماعية -ثقافية- قومية. ففي هذه المؤسسة كان يتعلم الدراويش الكتابة والقراءة، الأشعار والأدب، وكانوا يسمعون وينقلون بدورهم الحكايات المختلفة. كما كان بعض الدراويش يعملون في التكية في نسخ المخطوطات الأدبية والدينية، ومن بينها المخطوطات العربية.