وباتصال تجار قريش بالدول الكبرى. وذهابهم إليها صار لهم اهتمام بما يجري فيها من أحداث وما يطرأ في السياسة الدولية من أمور، لأن لذلك أثرًا كبيرًا في تجارتهم وفي الأسواق التي كانوا يخرجون إليها للبيع والشراء. وقد اهتمت قريش اهتمامًا خاصًا بما يقع في بلاد الشام واليمن، إذ كانت تجارتها تسير في معظمها إلى هذه البلاد. ولم يكن النجاح الذي أصابته وساطة قريش التجارية بين بلاد العرب وبلاد الروم والحبشة وفارس نجاحًا عفويًا، متروكًا للاتصالات العابرة، فإن وراءه على الأرجح اطلاعًا دقيقًا على شؤون الصراع السياسي بين الفرس والروم، وحسًّا مرهفًا بحدود الموقع الذي تقف فيه بين المتصارعين، لتحتفظ بمصالحها التجارية لدى كل منهما، يقول جواد علي:"أما أهل مكة، فكانوا تجارًا محايدين علاقاتهم حسنة مع الروم ومع الفرس، وكان من مصلحتهم الوقوف على الحياد" (38) . لذلك أخفق عثمان بن الحويرث عندما بدا له أن يربط مكة بالنفوذ الرومي، فقد حدث عروة بن الزبير أن عثمان كان يطمع أن يملك قريشًا، وقد رأى موضع حاجتهم لقيصر، ومتجرهم ببلاده. فوفد على قيصر، وذكر له مكة، ورغَّبه فيها، وقال له: تكون زيادة في ملكك، كما ملك كسرى صنعاء! فملّكه قيصر على قريش، وكتب له إليهم، وحمله على بغلة عليها سرج عليه الذهب. فلما قدم عليهم، قال لقومه: يا قوم، إن قيصر من قد علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه، وقد ملكني عليكم، وإنما أنا ابن عمكم وأحدكم، وإنما آخذ الجراب من القرظ، والعكة من السمن، والإهاب، فأجمع ذلك، ثم أبعثه إليه، وأنا أخاف أن أبيتم ذلك، أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به ويقطع مرفقكم منه. فأجمعوا على أن يعقدوا على رأسه التاج، خشية على تجارتهم في بلاد الشام، فقال الأسود بن المطلب بن الأسود:"يا آل عباد الله ومُلْكٌ بتهامة! إن قريشًا لا تَملك ولا تُملك". فانتقضت قريش عما كانت قالت لعثمان، ومنعته ما جاء يطلب (39) .