فهرس الكتاب
فالإسلام الذي انتشر هنا لم يكن نقيًا بل محمّلًا ومشوبًا بترسبات طارئة، علقت به خلال مسيرته إلى البلقان. كذلك فإن الإسلام قد فتح البلقان دينًا ودولة واستوطنه دينًا ودولة. وهذه المسألة بين دين-دولة كانت مصونة ولا يسمح بمسها. فالمركز كان يرى في كل معارضة للدولة رفضًا لدين الدولة المعلن. وهذا الموقف ستجد البكتاشية نفسها فيه حين ستتحول إلى حركة معارضة. وأخيرًا فإن الإسلام تغلغل في منطقة حبلى بالآلام والصراعات، منطقة تبحث عن مهدي يفك لها آلامها. وجاء الإسلام ليحمل معه شحنة من عالم آخر، زرعت الشك فيما هو سائد، وساهمت في إبراز موجة جديدة إلى السطح.
هذه الموجة جاءت تحت ضغط التماسات واحتكاكات بين تيارات تمثل شتى الشيع والنحل، وتحولت كامتداد لهذا الوسط أو كانقلاب عليه، إلى تربة مناسبة لإنعاش أيديولوجية تصالحية، تستند إلى ما هو سائد وترفض ما هو سائد. في مثل هذا يشار إلى حركة مصطفى بركليجي، 1415، التي كانت تسيطر على البلقان، والتي أراد منها صاحبها نبذ التشيع بين الناس، وإلغاء الملكية الفردية، وإشاعة كل ما يحيط بالإنسان ما عدا النساء.
كذلك تجدر الإشارة إلى حركة راهب كوستور في القرن السابع عشر، أي في القرن الذي بدأ فيه انتعاش البكتاشية في المناطق الألبانية. وقد نادى هذا الراهب بدين تصالحي بين الإسلام والمسيحية، يعتمد على خليط منتخب ومتجانس من هاتين الديانتين، إلا أن هذه الدعوة جوبهت برفض الطرفين اللذين حاول توحيدهما. فقد كفّرته الكنيسة من ناحيتها وطردته من حظيرتها، كما أن السلطة التركية لم تتقاعس عن ملاحقته ومقاومته.
هذه الظروف تتيح لنا أن نتفهم كيف أن البكتاشية، حين انتقلت إلى البلقان، إلى المناطق الألبانية، وجدت وسطًا مهيئًا للاحتفال بها.