ولكن هذا لا يحدث إلا في أربعة آباء. فعند الأب الرابع تضعف العصبية، ويؤدي ضعفها إلى زوال الملك والغلبة. يصف ابن خلدون ذلك، فيقول:"ثم إذا جاء الرابع، قصر عن طريقتهم جملة، وأضاع انحلال الحافظة بعناء مجدهم واحتقرها؛ وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف، وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة، بمجرد انتسابهم، وليس بعصابة ولا بخلال، لما يرى من التجلة بين الناس؛ ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا سببها؛ ويتوهم أنه النسب فقط. فيربأ بنفسه عن أهل عصبيته، ويرى الفضل له عليهم، وثوقًا بما فيه من استتباعهم، وجهلًا بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال، التي منها التواضع لهم، والأخذ بمجامع قلوبهم، فيحتقرهم بذلك؛ فينغصون عليه، ويحتقرونه، وبديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت، ومن فروعه في ذلك العقب، للإذعان لعصبيتهم كما قلناه، بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله. فتنمو فروع هذا، وتذوي فروع الأول، ويهدم بناء بيته. هذا في الملوك. وهكذا في بيوت القبائل والأمراء وأهل العصبية أجمع؛ ثم في بيوت أهل الأمصار (13) ".
ومن هذا نرى، أن قيمة العصبية قيمة وظيفية: فهي تقوم بوظيفة الدفاع عن المجتمع البدوي، وبوظيفة دعم أصحابها في رئاسة القوم، ثم الحصول على الملك وتأسيس الدولة. وهي من هذه الناحية ذات أثر كبير في بقاء الجماعة واستمرارها من طور البداوة إلى طور الحضارة والملك.
جالعمران البدوي والحضري: إن حياة البادية تختلف عن حياة أهل المدن، من حيث دفع عدوان الناس بعضهم عن بعض، ضمن المجتمع الواحد، ومن حيث دفع عدوان الناس الذين خارج المجتمع عن أولئك الذين هم داخله.