فهرس الكتاب

الصفحة 7296 من 23694

أما عدوان الناس بعضهم على بعض، داخل المدينة، فيدفعه الحكام وأصحاب السلطان، في حين أن عدوانهم بعضهم على بعض داخل القبيلة أو العشيرة، إنما يدفعه مشايخ البدو وكبراؤهم. وفي الحين الذي يلجا الحكام إلى القهر والسلطان، لدفع ظلم فئة من الناس لفئة أخرى، يلجأ مشايخ البدو وكبراؤهم إلى ما لهم من تجلة ووقار في نفوس أفراد قبائلهم أو عشائرهم، لبلوغ هذه الغاية. يصف ابن خلدون ذلك فيقول:

"فأما المدن والأمصار، فعدوان بعضهم على بعض تدفعه الحكام والدولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة، أن يمتد بعضهم على بعض، أو يعدو عليه. فإنهم مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم، إلا إذا كان من الحاكم بنفسه. وأما العدوان الذي من خارج المدينة، فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة بنفسه. وأما العجز عن المقاومة نهارًا: أو يدفعه ذياد الحامية من أعوان الدولة عند الاستعداد والمقاومة. وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم، بما وقر في نفوس الكافة لهم من الوقار والتجلة. وأما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم. ولا يصدق دفاعهم وذيارهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد: لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم؛ إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم (14) ".

بيد أن العصبية التي تبدو تجلة ووقارًا داخل المجتمع البدوي، تسفر عن وجهها أتم الإسفار، إذا كان العدوان آتيًا من خارج المجتمع؛ وبهذا يختلف المجتمع البدوي عن المجتمع الحضري أتم الاختلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت