وهذا يعني، أن الرئاسة ليست مرتبطة ضرورة بالدولة التي هي نتاج حضاري: بل قد سبقها، كما هي الحال بالنسبة إلى حياة البداوة في سبقها لحياة الحضارة؛ إذ إن العصبية هي لحمة الرئاسة وسداها. يقول ابن خلدون شارحًا ذلك:"إن كل حي أو بطن من القبائل، وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام، ففيهم أيضًا عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحامًا من النسب العام لهم، مثل عشير واحد، أو أهل بيت واحد، أو أخوة بني أب واحد؛ لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين. فهؤلاء أقعد بنسهبم المخصوص، ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام. والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام؛ إلا أنها في النسب الخاص أشد، لقرب اللحمة. والرياسة فيهم إنما تكون في نصاب واحد منهم، ولا تكون في الكل (17) ".
والرئاسة في رأي ابن خلدون تقوم بوظيفة هامة في المجتمع؛ إذ إن مهمتها الأساسية هي إيجاد التكافؤ بين العناصر المختلفة، بتغلبها عليها جميعًا: إنها بمثابة المزاج في المتكون الذي لا بد من طغيان أحد عناصره على العناصر الأخرى. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون:"لأن الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج في المتكون؛ والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر؛ فلا بد من غلبة أحدها وإلا لم يتم التكوين. فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية؛ ومنه يقين استمرار الرياسة في النصاب المخصوص بها (18) ".