أما أولئك الذي لا أنساب لهم، ولا عصبية تتأتى عن هذه الأنساب، فلا يمكن لهم أن يصبحوا من ذوي الرئاسة؛ لأن هذه إنما تكون لذوي الغلب كما قلنا. ومع ذلك، فإن الزمان قد يعفي على أصل أنساب اللصقاء واللزقاء، ويسلم إليهم رئاسة القبيلة أو البطن أو الحي. لكن ذلك لا يكون إلا إذا اندمجوا في إحدى العصبيات، وأصبحوا من ذويها وأهلها. يقول ابن خلدون شارحًا رأيه في ذلك:"والساقط في نسبهم بالجملة، لا تكون له عصبية فيهم بالنسب؛ إنما هو ملصق لزيق؛ وغاية التعصب له بالولاء والحلف. وذلك لا يوجب له غلبًا عليه البتة. وإذا فرضنا أنه قد التحم بهم واختلط، وتنوسي عهده الأول من الالتصاق، ولبس جلدتم، ودعي بنسبهم، فكيف له الرياسة قبل هذا الالتحام، أو لأحد من سلفه؟ (19) ".
وهذا يرينا إلى أي حد تعمل العصبية في تعضيد الرئاسة والحفاظ على استمرارها.
(2) الرئاسة والملك: يفرق ابن خلدون بين الرئاسة والملك؛وتفريقه بينهما قائم على التفريق بين نوعين من الغلب، أحدهما خاص بالرئاسة، والثاني خاص بالملك. وهو يرى أن التغلب في الرئاسة سؤدد يؤدي بصاحبه إلى أن يكون متبوعًا دون أن يكون له قهر في أحكامه يلزم الناس له إلزامًا؛ في حين أن التغلب في الملك هو الحكم بالقهر وإلزام الناس بهذا الحكم. ومن هنا كان الحكم بالقهر هو الذي يزيد به الملك على الرئاسة (20) .
وإذا كانت الرئاسة نتيجة العصبية، كان الملك نتيجة لها أيضًا؛ ولكن بدرجة أعلى من درجة الرئاسة. بيد أن الانتقال من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية أمر تقتضيه طبيعة النفس الإنسانية، إذ النفس مولعة بفرض سلطانها على الآخرين من ناحية، وهي كلما بلغت في أحد الأمور رتبة، صبت إلى الرتبة التي تليها فيه، من ناحية أخرى. لكنها تظل عاجزة عن بلوغ ذلك بذاتها، ولا يتم اقتدارها عليه إلا بالعصبية التي تبلغ غايتها بالتغلب الملكي (21) .