ومتى لجأ صاحب العصبية إلى استتباع العصبيات الأخرى بالقوة والقهر، جعلها تلتحم في عصبيته، وتصير وإياها عصيبه واحدة كبيرة. وفي هذه الحال، يدفع عن هذه العصبيات الافتراق المفضي إلى التنازع والتخاصم.
بيد أن منطق العصبية لا يقف عند هذا الحد: بل يتابع نتائجه إلى أقصى حدودها: فلا يكاد صاحب العصبية يتغلب بعصبيته على قومه، حتى يلقي بأنظاره إلى أهل العصبيات الأخرى البعيدة عن عصبيته. فإذا كانت العصبيتان متكافئتين، لم تستطع إحداهما التغلب على الأخرى؛ وظلت كل منهما باسطة يدها على قومها، فانعة إلى حين بمكانتها. أما إذا كانت إحداهما أقوى من الأخرى، فإنها تغلبها وتستتبعها وتلتحم بها: لتكون العصبيتان معًا عصبية واحدة أوسع نفوذًا، وأشد باسا. ثم لا تلبث بعد ذلك، أن تتطلع إلى العصبيات الأخرى. وهكذا تظل دائمًا، حتى تكافئ بقوتها قوة الدولة.
وعندما تصل العصبية إلى هذا الحد من القوة، تكون بإزاء احتمالين: فهي إما أن تدرك الدولة في هرمها، وأما أن تدركها وهي ما زالت في قوتها؛ وهي بحاجة إلى الاستظهار بأهل العصبيات. في الحالة الأولى تستولي العصبية النامية على الدولة، وينتزع صاحبها الأمر من أيدي أصحابه؛ ويصبح الملك كله لهذه العصبية وصاحبها. أما في الحالة الثانية، فإن الدولة ذاتها لا تلبث أن تنتظم هذه العصبية في أوليائها، تستظهر بها على أعدائها، تستخدمها في تحقيق مقاصدها (22) .