ولكن، هل يمكن لهذه العصبية المستتبعة على هذا النحو، أن تنتظر مدة من الزمن -وهي قلب الدولة -لكي تستولي على الملك فيما بعد؟ يرى ابن خلدون أن هم أهل العصبية -ليأسهم من انتزاع الحكم -تنصرف إلى تحصيل الكسب والانغماس في النعيم، والجنوح إلى الدعة والسكون؛ وفي ذلك كسر لحدة عصبيتهم. والحقيقة، أن خصب العيش، والتأنق في المظاهر جميعًا، والاستكثار من الكماليات، لا تلبث أن تذهب بخشونة بداوتهم، وتضعف من بسالتهم، وتودي بأواصر عصبيتهم. ويأتي بنوهم على أعقابهم، ويذهبون إلى ما ذهب إليه آباؤهم شوطًا بعيدًا؛ فتنقرض بذلك عصبيتهم تمامًا، بعد أن تناولها الضعف لدى آبائهم. وحينذاك يصبح هذا حائلًا دون بلوغ الملك، الذي هو غاية العصبية (23) .
(3) العصبية والدولة: مما تقدم يمكننا أن نرى، إن العصبية في أصل الدولة. ولكن هذا لا يعني أن يكون من المحتوم على العصبية أن تستمر باستمرار الدولة: إذ أن النفوس يصعب عليها الانقياد للدولة العامة في أول قيامها؛ ولا يكون هذا الانقياد إلا بقوة عظيمة من الغلب والقهر. ولكن، لا تكاد تنقضي حقبة معينة من الزمن، حتى تستقر أمور الدولة، وتستقر الرئاسة معها في أهل النصاب المخصوص بالملك، وتصبح حقًا لهم ولأولادهم وأحفادهم من بعدهم؛ فيتوارثونها ويتوارثون الملك بتوارثها، واحدًا بعد واحد. وعندئذ ينسى الناس شأن الأولية، وتستحكم الرئاسة لأهل ذلك النصاب، ويرسخ في العقائد دين الانقياد لهم، والتسليم بغلبتهم وحكمهم؛ ويقاتل الناس معهم على أمرهم، قتالهم على العقائد الإيمانية؛ فلا يحتاجون من بعد إلى كبير عصابة في أمرهم (24) .