فهرس الكتاب

الصفحة 7302 من 23694

في هذا الدور تخمد ثورة العصبية، وتنكسر حدتها، ويلجأ أصحاب الملك إلى الموالي والمصطنعين يستظهرون بهم حينًا، وإلى العصائب الخارجين على نسبها، الداخلين في ولايتها حينًا آخر. وبذلك تستقر الدولة، ويستتب الأمر لأصحاب الملك؛ فيصبحون هم المرموقين من سائر الناس؛ ويتخذون قدوة في كل شيء (25) .

بيد أن استقرار الأمور في أيدي فئة من الناس، يجعلهم في مكان المتفوقين الغالبين؛ ويصبح مكانهم هذا معترفًا به في الغالبية العظمى من الفئات الأخرى. وهذا يعني، أن التغلب كف عن أن يكون تغلبًا من الخارج، وأصبح تغلبًا يغزو النفوس من الداخل؛ ويزين للمغلوبين كل ما لدى الغالب من عوائد ومذاهب. وهذا يؤدي إلى تشبه المغلوب دائمًا بالغالب؛ فيقلده في ملبسه ومركبه وسلاحه؛ ولا يقتصر تقليده هذا على اتخاذ ما يتخذه الغالب منها؛ بل يتعدى ذلك إلى أنواعها وأشكالها وسائر صفاتها (26) . ويعلل ابن خلدون ذلك قائلًا:"والسبب في ذلك، أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه. إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك، واتصل لها، حصل اعتقادًا؛ فانتحلت جميع مذاهب الغالب، وتشبهت به؛ وذلك هو الاقتداء (27) ".

4-نطاق للدولة وعمرها

ولكن الدولة امتدادًا معينًا في المكان والزمان؛ لأن لها حدودًا تتسع أو تضيق بحسب قوتها؛ وأجيالًا معينة تمر بها وتحتفظ لنفسها بها بالاستمرار. وسنحاول في الصفحات التالية أن نبينها.

(1) نطاق الدولة: إن لكل دولة نطاقًا معينًا يبلغ أقصى اتساعه؛ لكي يأخذ بالتضايق شيئًا فشيئًا، حتى يصل إلى غاية اضمحلاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت