بيد أن اتساع الدولة لا يتوقف على هذا العامل فقط؛ بل يتعداه إلى عامل آخر هو امتداد له. وهذا يعني، أن أهل العصبية إذا استولوا على الملك، أتيحت لهم سعة في العيش لم يكونوا يعرفونها؛ فأدى ذلك إلى كثرة تناسلهم، وازدياد عصاباتهم التي يمكن استخدامها في حماية الثغور والنواحي (32) . وعلى هذا النحو، تزداد الدولة نموًا على نمو، واتساعًا على اتساع، حتى تستنفذ طاقاتها جميعًا، وتقف عند حدود لا تتعداها.
ب-تضايق الدولة واضمحلالها: بيد أن اتساع الدولة يظل في الأعم الأغلب تابعًا لدور البداوة؛ في حين أن بدء توقف هذا الاتساع، ثم تضايقه فيما بعد، يرجع دور الحضارة، حينما يبالغ الناس في انغماسهم في الترف والنعيم. وابن خلدون يشرح ذلك قائلًا:"وهذا كله حينما تكون الدولة في شعار البداوة وخشونة البأس. فإذا استفحل العز والغلب، وتوافرت النعم والأرزاق بدور الجبايات، وزخر بحر الترف والحضارة، ونشأت الأجيال على اعتياد ذلك لطفت أخلاق الحامية، ورقت حواشيهم، وعاد من ذلك إلى نفوسهم هيئات الجبن والكسل، بما يعانونه من خنث الحضارة المؤدي إلى الانسلاخ من شعار البأس والرجولية، بمفارقة البداوة وخشونتها، وبأخذهم العز بالتطاول إلى الرياسة والتنازع عليها (33) ".