فهرس الكتاب

الصفحة 7305 من 23694

وهذا الانتقال طبيعي بالنسبة إلى الدول؛ وطور الحضارة تابع بالضرورة لدور البداوة، جراء تبعية الرفه للملك. ويصف ابن خلدون الآلية التي يتبعها هذا الانتقال، فيقول:"إن هذه الأطوار طبيعية للدول. فإن الغلب الذي يكون به الملك، إنما هو بالعصبية وما يتبعها من شدة البأس وتعود الافتراس، ولا يكون ذلك غالبًا إلا مع البداوة؛ فطور الدولة من أولها بداوة. ثم إذا حصل الملك، تبعه الترف واتساع الأحوال، والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه؛ من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله؛ فلكل واحد فيها صنائع في استجادته والتأنق فيه، تختص به، ويتلو بعضها بعضًا؛ وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف؛ وما تتلون به من العوائد؛ فصار طور الحضارة في الملك يبتع طور البداوة ضرورة، لضرورة تبعية الرفه للملك (34) ".

أما سبب هذا التحول، فيرجع إلى محاولة أهل الدولة الجديدة تقليد أهل الدولة السابقة في الترف والبذخ (35) . بيد أن ذلك لا يلبث أن يبذر بينهم بذور الشقاق، ويؤدي إلى تقاتلهم، وذهاب أكابرهم ورؤسائهم، مما من شأنه أن يضعف الحامية. يقول ابن خلدون في ذلك:"فيفضي إلى قتل بعضهم بعضهم، ويكبحهم السلطان عن ذلك بما يؤدي إلى قتل أكابرهم وإهلاك رؤسائهم؛ فتفقد الأمراء والكبراء، ويكثر التابع، والمرؤوس، فيفل ذلك من حد الدولة، ويكسر شوكتها؛ ويقع الخلل الأول في الدولة، وهو الذي من جهة الجند والحامية (36) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت