فهرس الكتاب

الصفحة 7306 من 23694

لكن الشر لا يأتي من هذه الجهة وحدها، بل تشارك فيه زيادة النفقات على الموارد؛ فتقع الدولة في العجز، يشرح ابن خلدون ذلك قائلًا:"ويساوق ذلك السرف في النفقات، بما يعتريهم من أبهة العز، وتجاوز الحد بالبذخ، بالمناغاة في المطاعم والملابس، وتشييد القصور، واستجادة السلاح، وارتباط الخيول؛ فيقصر دخل الدولة حينئذ عن خرجها، ويطرق الخلل الثاني في الدولة، وهو الذي من جهة المال والجباية (37) ".

وفي هذه الحال، لا بد لهم من أن يستنفدوا قواهم في ذلك؛ فيطمع فيهم أعداؤهم، ويتطلعون إلى انتزاع ملكهم، والاستيلاء على دولتهم. يقول ابن خلدون:"وربما تنافس رؤساؤهم فتنازعوا، وعجزوا عن مغالبة المجاورين والمنازعين ومدافعتهم. وربما اعتز أهل الثغور والأطراف بما يحسونه من ضعف صاحب الدولة وراءهم؛ فيصيرون إلى الاستقلال والاستيلاء بما في أيديهم من العمالات؛ ويعجز صاحب الدولة عن حملهم على الجادة؛ فيضيق نطاق الدولة عما كانت انتهت إليه من أولها، وترجع العناية في تدبيرها بنطاق دونه (38) ".

وهذا يعني، أن الدولة تبدأ بفقدان بعض أجزائها. ولكن هذا الفقدان لا يكون جزافًا؛ بل يتبع سيرًا معينًا؛ إذ إن التناقص يبدأ من جهة الأطراف؛ فيظل المركز محفوظًا (39) . ولا تكاد الدولة تفقد بعض ثغورها ونواحيها، حتى تتقلص رقعتها، وتصبح لها ثغور ونواح جديدة في نطاق أضيق من النطاق الأول. وعندئذ تتعرض هذه الثغور والنواحي الجديدة لما تعرضت له الثغور والنواحي القديمة من قبل؛ وتقل أموال الجباية مرة أخرى (40) . وتظل تتناقص على هذا النحو، إلى أن تغلب على مركزها. وعندئذ تكون نهايتها؛ لأن المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح. فإذا غلب القلب وملك، انهزم جميع الأطراف (41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت