(1) عمر الدولة وأجيالها: رأينا كيف تتسع الدولة ثم تضيق في المكان؛ ونريد أن ننظر الآن إلى العمر الذي تقتضيه، والأجيال التي تتعاقب عليها في الزمان. فكما أن للدولة اتساعًا محدودًا يبلغه نطاقها، كذلك لها عمر معين يمتد إليه أجلها.
1-عمر الدولة: يرى ابن خلدون أن عمر الدولة مرتبط أيضًا بعدد الحامية التي تناصر الدولة بالعصبية؛ لأن العصبية القوية تبقى مدة أطول على الدهر. يقول شارحًا ذلك:"على أن هذه النسبة في أعداد المتغلبين، لأول الملك يكون اتساع الدولة وقوتها. وأما طول أمدها أيضًا، فعلى تلك النسبة؛ لأن عمر الحادث من قوة مزاجه؛ ومزاج الدولة إنما هو بالعصبية، فإذا كانت العصبية قوية، كان المزاج تابعًا لها، وكان أمد العمر طويلًا. والعصبية إنما هي بكثرة العدد ووفوره (42) ".
ولكن، كيف يحدث ذلك؟ إن ابن خلدون يلجأ هنا أيضًا إلى نظريته في أطراف الدولة: فيعلل بها طول أمدها: فالدولة مترامية الأطراف تحتاج إلى آماد نقص كثيرة، قبل أن تفقد سائر ممالكها وتضمحل؛ في حين أن الدولة ضيقة الاتساع تحتاج إلى آماد نقص أقل، فتضمحل في زمن أقصر؛ فعلى نسبة الاتساع يكون أمد البقاء بالنسبة إلى الدول. وهو يعلل ذلك قائلًا:"والسبب الصحيح في ذلك، أن النقص إنما يبدو في الدولة من الأطراف. فإذا كانت ممالكها كثيرة، كانت أطرافها بعيدة عن مركزها وكثيرة؛ وكل نقص يقع فلا بد له من زمن؛ فتكثر أزمان النقص لكثرة الممالك، واختصاص كل واحد منها بنقص وزمان؛ فيكون أمدها طويلًا" (43) .
كذلك فإن الانغماس في الترف والنعيم، سبب من أسباب تقصير عمر الدولة؛ إذ إن الناس يزدادون حرصًا على الحياة، ويحسبون كل عطاء من السلطان نتيجة لمعونتهم له. ويبدو هذا واضحًا في الجيل الثاني أكثر منه في الجيل الأول، وفي الجيل الثالث أكثر منه في الجيل الثاني؛ وهكذا... (44) .