وليس الانغماس في الترف والنعيم سببًا في تقصير عمر الدولة من هذا الوجه فحسب؛ بل إنه سبب في تقصير عمرها من وجه آخر؛ وهو ما يثيره في النفوس من طمع بعضها، يقول ابن خلدون في وصف ذلك:"الوجه الثاني أن طبيعة الملك تقتضي الترف... فتكثر عوائدهم، وتزيد نفقاتهم على أعطياتهم، ولا يفي دخلهم بخرجهم: فالفقير منهم يهلك، والمترف يستغرق عطاءه بترفه. ثم يزداد لذلك في أجيالهم المتأخرة، إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف وعوائده؛ وتمسهم الحاجة، وتطالبهم ملوكهم بحصر نفقاتهم في الغزو والحرب؛ فلا يجدون وليجة عنها؛ فيوقعون بهم العقوبات؛ وينتزعون ما في أيدي الكثير منهم، يستأثرون به عليهم، أو يؤثرون به أبناءهم وصنائع دولتهم؛ فيضعفونهم لذلك عن إقامة أحوالهم، ويضعف صاحب الدولة بضعفهم. وأيضًا، إذا كثر الترف في الدولة ، وصار عطاؤهم مقصرًا عن حاجاتهم ونفقاتهم، احتاج صاحب الدولة الذي هو السلطان إلى الزيادة في أعطياتهم، حتى يسد خللهم، ويزيح عنهم. والجباية مقدار معلوم، لا تزيد ولا تنقص؛ إن زادت بما يستحدث من المكوس، فيصير مقدارها بعد الزيادة محدودًا (45) ".
وعندئذ تضعف الحماية، وتسقط قوة الدولة، وتشرف على الهرم، ويتجاسر عليها جيرانها من الدول، أو من تحت يدها من العصائب والقبائل؛ فيحل بها الفناء، وتكون نهايتها (46) .