وإذا بلغت الدولة هذا المبلغ، فليس لها من علاج لإطالة أمد حياتها، إلا أن تستعين بأنصار من الأمم الأخرى، التي ما تزال معتادة شظف العيش وخشونة الحياة؛ فيكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها (47) ، ولكن هؤلاء قد يكونون سببًا في زوال الدولة، واغتصاب الملك، يقول ابن خلدون:"إذا استقر الملك في نصاب معين، ومنبت واحد من القبيل القائمين بالدولة، وانفردوا به، ودفعوا سائر القبيل عنه، وتداوله بنوهم واحدًا بعد واحد، بحسب الترشيح، فربما حدث التغلب على المنصب من وزرائهم وحاشيتهم، وسببه في الأكثر ولاية صبي صغير مضعف من أصل المنبت، يترشح للولاية بعهد أبيه، أو بترشيح ذويه وطوله؛ ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك؛ فيقوم به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه وقبيله، ويورَّى عنه بحفظ أمره عليه، حتى يؤنس منه الاستبداد؛ ويجعل ذلك ذريعة للملك؛ فيحجب الصبي عن الناس، ويعوده اللذات التي يدعوه إليها ترف أحواله، ويسيمه في مراعيها متى أمكنه، وينسيه النظر في الأمور السلطانية، حتى يستبد عليه. وهو بما عوده يعتقد أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوس السرير، وإعطاء الصفقة، وخطاب التهويل، والقعود مع النساء خلف الحجاب، وأن الحل والربط، والأمر والنهي، ومباشرة الأحوال الملوكية، وتفقدها من النظر في الجيش والمال والثغور، إنما هو للوزير. ويسلم له في ذلك، إلى أن تستحكم له صبغة الرياسة والاستبداد؛ ويتحول الملك إليه، ويؤثر به عشيرته، وأبناءه من بعده (48) ."
2-أجيال الدولة: وإذا كان هذا عمر الدولة، وهو محدود بنهاية لا بد منها، فإنه موزع أيضًا على أربعة أجيال، يمثل الرابع بينها فترة انقراضها. أما الأجيال الثلاثة الأول فهي عمرها الحقيقي، الذي يكون لها فيه الغلب والقهر.