وأما الجيل الثاني فهو جيل الانتقال من البداوة إلى الحضارة؛ ومن شظف العيش إلى رخائه ونعيمه. ويصفه ابن خلدون فيقول:"والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والرفه من البداوة إلى الحضارة؛ ومن الشظف إلى الترف والخصب؛ ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به، وكسل الباقين عن السعي فيه، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة؛ فتنكس سورة العصبية بعض الشيء؛ وتؤنس منهم المهانة والخضوع. ويبقى لهم الكثير من ذلك، بما أدركوا الجيل الأول، وباشروا أحوالهم، وشاهدوا من اعتزازهم وسعيهم إلى المجدة ومراميهم في المدافعة والحماية؛ فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية؛ وإن ذهب منه ما ذهب؛ ويكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول، أو على ظن من وجودها فيهم" (51) .
وإذا كان الجيل الثاني يمثل دور الانتقال من البداوة إلى الحضارة، فإن الجيل الثالث هو جيل الحضارة والترف المبالغ فيه. يصفه ابن خلدون قائلًا:"وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما فيهم من ملكة القهر؛ ويبلغ فيهم الترف غايته، بما تفننوه من النعيم وغضارة عنهم؛ وتسقط العصبية بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة، ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة، يموهون بها؛ وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها. فإذ جاء المطالب لهم، لم يقاموا مدافعته (52) ".