وعندئذ تنتقل الدولة إلى الجيل الرابع؛ وهو جيل الضعف والاضمحلال. بيد أن هذا لا يحدث في الظاهر في الحالات كلها؛ إذ إن الدولة قد تصل إلى هذا الحد من الضعف والانهيار، ولا يكون هناك من مطالب ولا طامع؛ فتبقى قائمة في الظاهر، مع أنها منخورة في الباطن. وهذا يعني، أن عمر الدولة مئة وعشرين سنة؛ فإذا لم يأتِ مطالب بها، امتد إلى أكثر من ذلك، حتى يأتي المطالب. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون:"وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مئة وعشرون سنة على ما مرّ. ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده، إلا أن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب؛ فيكون الهرم حاصلًا مستوليًا، والطالب لم يحضرها؛ ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعًا (53) ".
(3) الجباية وتجارة السلطان: رأينا أن أجيال الدولة تنتقل من شظف العيش إلى الترف والرفه، ثم إلى المبالغة في الترف والرفه؛ وأن هذا يستدعي من السلطان زيادة وزائع الجباية. ولكن السلطان ربما لا يكتفي بذلك، بل يعمد إلى منافسة رعاياه في التجارة. وهذا في رأي ابن خلدون من بوادر انتهاء الملك وسقوط الدولة.