فهرس الكتاب

الصفحة 7313 من 23694

والحقيقة، أن السلطان ربما لا يقنع بما تدره عليه الجباية من أموال؛ فيسعى إلى التجارة يتخذها -في زعمه -وسيلة لزيادة دخله. ولكن امتهان السلطان التجارة، لا يلبث أن يؤدي إلى الإضرار بالرعايا من جهة، وإلى إفساد الجباية من جهة أخرى؛ بل إن الضرر الذي يلحق بالرعايا جراء ذلك، يكون السبب المؤدي إلى إفساد الجباية في النهاية، إفسادًا يؤدي بدوره إلى إفساد العمران والدولة. يقول ابن خلدون شارحًا ذلك:"وأعظم من ذلك الظلم وإفساد العمران والدولة، التسلط على أموال الناس، بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع (54) ". ويتابع كلامه قائلًا:"ويؤول ذلك إلى تلاشي الدولة وفساد عمران المدينة؛ ويتطرق الخلل على التدريج، ولا يشعر به (55) ".

ويرى ابن خلدون أن الظلم الواقع على أموال الناس يحدث في الأمصار جميعًا. ولكنه يظهر سريعًا في الأمصار الصغيرة قليلة السكان، بما يخلفه وراءه من آثار الخراب؛ ويخفى في الأمصار العظيمة كثيرة السكان، ولا يظهر إلا بعد حين. وبهذا الصدد يقول:"ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي بها، ولم يقع فيها خراب (56) ".

ويعلل خفاء آثار الخراب الناتجة عن الظلم في الأمصار العظيمة على النحو التالي: فيقول:"إن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء وأحوال أهل المصر. فلما كان المصر كبيرًا، وعمرانه كثيرًا، وأحواله متسعة بما لا ينحصر. كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيرًا؛ لأن النقص إنما يقع بالتدريج. فإذا خفي بكثرة الأحوال والأعمال في المصر، لم يظهر أثره إلا بعد حين (57) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت