فهرس الكتاب
ولقد كان انسحاب الجيش الإسلامي السريع عملية محمودة لإنقاذه بعد أن بانت صعوبة الاستمرار في المعركة وبخاصة بعد مقتل عبد الرحمن الغافقي.. ويدل على ذلك خدعة المسلمين لجيش شارل مارتل بترك أسلابهم خيامهم وانسحابهم في جنح الظلام حتى لا يلحقهم جيش الفرنجة. ويدل هذا على مقدرة حربية أنقذت جيش المسلمين، كما أنه يدل على أبطال الرواية التي تقول الغنائم كانت هدف المسلمين في معركتهم وسبب هزيمتهم في آن واحد.
وما كتب عن هذه الوقعة متضارب أشد التضارب حتى ما بين المؤرخين الغربيين أنفسهم، فقد اعتبرها بعضهم نكبة كبيرة أصابت أوربا وضربة عنيفة حرمتها من الحضارة المنيرة التي كان من الممكن أن يوقظها تمازج الحضارة العربية مع الحضارة الأوربية قبل (200) سنة من بداية عصر النهضة.. وبعضهم يعتبرها الخلاص لأوربا من انتشار الدين الإسلامي فيها.
فإذا عدنا لتحليل واقع العرب في فرنسا فإننا نرى التالي:
1 ـ لم يكن مجيء العرب إلى فرنسا وتغلغلهم في أحشاء البلاد وفق خطة مرسومة بل كان بدافع فتح البلاد في سبيل الله... إضافة إلى طموح المسلمين في توسيع رقعة البلاد الإسلامية، والدليل على ذلك توجه الولاة أنفسهم، وكنت تراهم في مقدمة الجيش يواجهون المعمعة بأنفسهم ويتحدون الخطر مستعينين بأيمانهم مضحين بأرواحهم، وفي ذلك يقول المؤرخ رينو: (إن العرب في تغلغلهم في فرنسا لم يكونوا ينوون الاستيلاء على هذه المملكة فقط وإدخالها في الإسلام بل كان هدفهم الاستيلاء على كل أوربا وإضافة هذه القارة إلى سلطنة الإسلام) .
ولكن ما حال دون استمرار العرب والمسلمين في الفتح يعود إلى عوامل منها الفتن التي قامت بين العرب وبين البربر المسلمين من جهة القيسيين واليمانيين من جهة أخرى.