فهرس الكتاب
أولى هاتين المزيتين أنه كان عالمًا طُلَعَة، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. فهو يعشق المعرفة، ويتحرَّى أسبابها، ويجري وراءها، وهو لذلك لم يلتزم العقود في مدينته إشبيلية، بل قام يطوف في أرجاء الأندلس، من سهل وجبل وبادية وساحل... وقد أتى لسان الدين بن الخطيب على ذكره في كتابه"الإحاطة.."، قال: إنه دخل غرناطة"غير ما مرة، لسماع الحديث وتحقيق النبات، ونقَّر [أي: بحث وفتَّش] عن عيون النبات بجبالها"؛ وقال في حقه أيضًا: أنه كان"نسيجَ وحدِه... وعجينةَ نوع الإنسان في عصره وما قبله وما بعده، في معرفة (النباتات..) على اختلاف أطوار منابتها، حسًا ومشاهدة وتحقيقًا... قام على الصنعتين، لوجود القدر المشترك بينهما، وهمًا: الحديث والنبات، إذ موادُّهما الرحلة، والتقييد، وتصحيح الأصول، وتحقيق المشكلات اللفظية، وحفظ الأديان والأبدان..." (2) .
على أن مطامح أبي العباس العلمية ما كانت لتتوقف عند حدود وطنه الأندلس، بل استنهضت همته للقيام برحلة هي ـ في ظننا ـ أطول ما أنجزه نباتيٌ عشَّاب في تاريخ حضارتنا. وإذا كان تلميذه الأندلسي، ضياء الدين بن البيطار المالقي، قد سافر ـ كما يحدثنا معاصره مؤرخ الأطباء ابن أبي أصيبعة ـ"إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، ولقي جماعة يعانون هذا الفن، وأخذ عنهم معرفة نبات كثير، وعاينه في مواضعه" (3) ، وذلك قبل أن يستقر في القاهرة ثم يلقى وجه ربِّه في دمشق، بعد أن صنف أكبر موسوعة عربية في بابها"الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"... أقول: إذا كان ابن البيطار قد فعل ذلك، فإن الرحلة العظمى التي حققها أبو العباس كانت أطول من ذلك مسافة، ولا تقل في مضمارها خطرًا!