فهرس الكتاب

الصفحة 7569 من 23694

فقد غادر النباتي أبو العباس الحافظ، إشبيلية سنة 612 هـ (1215 م) ، مجتازًا البحر إلى العدوة الغربية، ومن هناك أخذ يتنقل بين مدن شمال أفريقية وسواحلها وسهولها وفيافيها، ومخالطًا الناس في المدينة والريف والبادية، مستمعًا إلى ما يخبرونه به من معلومات عندهم عن النباتات التي يعهدونها في مناطقهم وينتفعون بها في غذاء ودواء، حتى نزل الإسكندرية فالقاهرة، وسار على ضفاف النيل... وهو، في ذلك كله، يبحث عن النباتات والأعشاب ويتحقق من منافعها، والطريف أنه اعتذر، شاكرًا، تكريمًا بذله له صاحب مصر والشام"الملك العادل"بأن يقيم عنده ويكون طبيبًا ورئيسًا!

وبعد مصر، زار أبو العباس الديار المقدسة فأدى الفريضة، ثم توجه إلى الشام والعراق، وأمعن في رحلته شرقًا وشمالًا حتى إقليم خراسان (يقع اليوم في أفغانستان) ، ومضى فيه حتى مدينة"مرو" (تقع اليوم في جمهورية تركمانيا السوفييتية) ، وكانت مرو، آنذاك، حاضرة غنية برجالها وعلمائها وفقهائها، وكانت مكتباتها العامة والخاصة تزخر بالكتب والمخطوطات، كما يحدثنا باستفاضة ياقوت الحموي، الذي جمع من تلك الخزائن معظم موضوعات كتابة"معجم البلدان" (4) .

ولقد مرَّ أبو العباس بمدينة"حرّان" (تقع في الجنوب الشرقي من الجمهورية التركية اليوم) ، في رحلته العلمية هذه، التي استغرقت عامين وبعض العام، وتمخضت عن تأليفه كتابه الفريد"الرحلة النباتية"!

وأما المزية الأخرى، التي تمتع بها أبو العباس النباتي وفاق فيها نظراءه من العشَّابين، فإنها تتجلى في حرصه على تحليه النباتات (أي وصفها وصفًا علميًا) ، وفي دقته في هذا الوصف... وقد تستنفده التحلية للنبتة الواحدة حتى يكاد لا يُبقى زيادة لمستزيد!

لنستمع إليه وهو يصف النبتة المسماة"كفّ مريم"، يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت