فهرس الكتاب

الصفحة 7738 من 23694

وبعد انتهاء المهرجان، أقيمت على شرف الأمير مأدبة بسيطة في قاعة الكازينو، وقد شاهدت الجنرال غورو يقف مع الأمير، وهو يحمل بيده قدحًا من الشمبانيا، بينما حمل الأمير بيده كوبًا من عصير الليمون وكان يتبادلان بعض أحاديث المجاملة، ومع ذلك كانت تسيطر على هذا اللقاء غمامة خفيفة ظهرت آثارها على وجه الجنرال فأطفأت جمال نظراته الزرقاء..! أما الشريف فلم يكن بإمكان أي إنسان قراءة ما يختبئ في أعماق حدقتيه اللتين يتطاير الشرر منهما، وكانت كوفيته الشقراء الحريرية تنسدل حول كتفيه بكل نعومة...

ومما لاحظته أن الأمير (فيصل) والجنرال (غورو) كانا متساويين بطول القامة تقريبًا، غير أن التناقض بينهما واضح تمامًا. فبينما كان كل شيء في الجنرال يوحي بالصرامة والحيوية العسكرية ووضوح خطوط بزته العسكرية، أما الأمير فكان على عكس ذلك تمامًا، فهو يتدثر بألبسة مختلفة تختفي تحت طيات عباءته السوداء فلا يبدو منه إلا يداه الملكيتان الناعمتان والمعرورقتان.

ويمكن القول: إن الأمير فيصل كان يجسد وحده كل القلق والجاذبية السحرية التي يمتاز بها"الإسلام"، كما تتجلى به النظرة الثاقبة والنباهة الذكية الأصيلة ـ الكهنوتية ـ لشعب شديد العراقة... وكل من ينظر إليه يشعر بأن الشعب ـ الذي يمثله ـ قد استيقظ بفتوة صاعقة بعد سبات دام ألف عام...

قلت في نفسي: كيف يمكن لهذين الزعيمين اللذين يفرقهما كل شيء... أن يفهم أحدهما الآخر، وأن يوفقا بين مطامحهما القومية..؟

في الطريق إلى دمشق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت