فهرس الكتاب
وفي الغد عند الفجر سوف أسافر إلى دمشق مع موكب الأمير.. أسافر إلى دمشق.. أجل إلى دمشق عاصمة الأمويين، تلك المدينة التي حُفر اسمها في ذاكرتي منذ الطفولة بحروف من العنبر والدم... والذهب... ذلك أن مربيتي العربية كانت تتغنى باسم دمشق بعذوبة وحنين! أما والدتي فلم تكن تتلفظ باسمها دون أن ترتعش فرائصها لأنها مازالت متأثرة بمذابح المسيحيين التي كادت تمتد إلى القدس (1) أما والدي، الذي حمل معه من دمشق ذكريات حلوة وعباءة رائعة مقصبة بالخيوط الذهبية وكوفية مزينة بصور النحل الأشقر الراقص، فكان يتحدث عن دمشق بلهجة شعرية متهدجة وتظهر في عينيه آلام الأحلام الزاهية...
وهكذا أصبحت دمشق بالنسبة لي شيئًا معطرًا ومخيفًا، ويجسد السعادة السحرية في الوقت نفسه.
ومع ذلك، فإن ظروفي الخاصة لم تسمح لي بزيارة دمشق، إلا بعد فترة انتظار طويلة. كان ذلك لأول مرة في عام 1920 عندما سُمي الجنرال مفوضًا ساميًا لسورية، بعد أن تقرر وضعها تحت الانتداب الفرنسي، وقد أوكل إلي بهذه المناسبة مهمة خاصة...
قلت... أخيرًا.. سوف تكتحل عيناي برؤية عاصمة الأمويين، وسوف استنشق عبير أزهار الإسلام...
ومن أجل هذا ـ بشكل خاص ـ قبلت المهمة وغادرت فرنسا إلى سورية. ها قد حانت الساعة فأسرعت عند الفجر إلى محطة القطار في بيروت... كانت المحطة صغيرة جدًا ومكتظة بالأشباح وأكداس الحديد... والسماء ملبدة بالغيوم والأمطار تنهمر بغزارة، وكنت أرتعش من البرد داخل معطفي الفرو..