فهرس الكتاب

الصفحة 7740 من 23694

قادني مرافق الأمير إلى حُجرة حجز لي فيها آخر مقعدين.. وما لبث القطار (الشريفي) أن بدأ يتحرك ويهتز، مارًا بمحاذاة مرفأ بيروت، ثم قفز فوق البحر الأبيض المتوسط وتوغل داخل حقل كثيف من قصب السكر والموز، وأخذ يعدو بين بساتين البرتقال، حيث كانت الثمار الذهبية تلمع في الضباب كقناديل الليل... وبعد قليل أخذ القطار بالصعود متعلقًا بشبكة الكوابح يستعين بها على تسلق جبال الألب اللبنانية بين غابات الآس، والتوت، وسقائف،"الزل"المخصصة لنشر دود القز والقرى ذات الأديرة المحصنة...!..

كان في الحُجرة التي جلست فيها، بعض الأوربيين الذاهبين إلى دمشق وهم: قناصل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا بالإضافة إلى عدد من الآباء العازاريين. وكان الجو باردًا للغاية والرياح الجليدية تنفخ من خلال النوافذ البلورية المكسرة والمطر يتسرب من سطح الحُجرة عبر مشمع ممدود تبرع بنشره أحد المستشارين الأجانب لوقايتنا من"الدلف"...

كل ذلك من آثار آخر الغارات التي شنها الثوار السوريون على القطار وهو يحمل العساكر الفرنسية، ولم تسمح سرعة سفر الأمير إلى دمشق بإصلاح هذه التخريبات.. هكذا قال القنصل الفرنسي.

كنت أسرح الطرف من النافذة، أثناء عبور القطار بين جبلين فشاهدت البحر ـ بحر الأمس ـ الأزرق بخلجانه الواسعة الحارة التي تتعانق مع اليابسة التي تُوشيَّها البساتين ذات الروائح العطرة التي تنعش النفوس وتأخذ اللب.

قلت في نفسي: إن مغادرة الشواطئ السورية الرائعة هذه في يوم شديد الكآبة من أجل مواكبة الزعيم العربي الذي يتوجه إلى صحرائه المتغطرسة.. إن ذلك ضرب من الجنون؟.. وشعرت بالأسف على حماسي بالأمس.. ولكن مع كل ذلك...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت