فهرس الكتاب
كنا نشاهد على جانبي سكة القطار الكثير من الكهوف والسيول العارمة والشعب الجبلية المتوحشة، والهضاب الصخرية الشقراء وكروم العنب الشهيرة، التي تغنى بها الشعراء في"طيبة"عاصمة الفراعنة واحتفل بها في"نينوى"على موائد بالتازار (4) ... كان القطار يتلوى مارًا بين هذه المناظر كأنه أفعى البوا... وفجأة... شعرنا بشيئ غير متوقع... نظرت من خلال النافذة... فصعقت... ماذا أرى؟ هل أسكرتني المناظر الرائعة وأحلامي؟ كلا... إنهم فرسان يتسابقون بجنون ويهتفون يحدون بأصوات تصمُّ الآذان... ويقذفون بنادقهم بالجو، وتصفق خلفهم كوفياتهم فوق حمالات الذخيرة.. وقد اضطر القطار للتوقف نظرًا لإصرارهم الشديد... وهكذا أخذت تعلو أصوات الشبابات (5) والدربكات وزغاريد النساء، وتضوع في الجو روائح الورود ودخان المباخر...
كان الحشد يرفع الكثير من الأعلام واللافتات، ومرت بمحاذاة القطار العديد من المواكب وألقيت الكثير من الخطب، ألقاها رجال يلبسون الطرابيش الحمر التي يسيل من تحتها خيوط حمراء من العرق...
استجاب الأمير لرغبة هذه الجماهير المحتشدة، فأطل من القطار تعلوه مظلة تحميه من المطر.. وألقى كلمة قصيرة قوبلت بالتصفيق والهتافات..
ومن الجدير بالذكر أنه كان وراء هذه اللوحة البشرية"المبلَّلة"رتل من الجنود الفرنسيين يراقبون الاحتفال الذي يفصله عنهم جدار من الوحول والسيول...