فهرس الكتاب
وخلف كل ذلك رأيت جسرًا رومانيًا وصخورًا تاريخية هائلة وطريقًا محفورًا بالصخور فوق واد يتفجر منه نهر مُزبد يقفز معربدًا من كتلة إلى كتلة وتتموج مياهه وكأنها تغلي من شدة الانفجار.. ثم يستسلم لمجرى متعرج فيثور أحيانًا ثم لا يلبث أن يرضخ بغباء فيستلل صاغرًا داخل"توربينات شركة الكهرباء البلجيكية" (11) ... إنه"بردى"نهر العرب المتجمد... و (نهر فرفار"(12) الذي ذكر اسمه في التوراة، و"نهر الذهب" (13) كما كان يسميه قدماء اليونان.. أما هذا"الشق الصخري"الذي نشاهده في أعلى الجبل فقد حُفر في عهد الإمبراطور الروماني أورليان (14) عندما أعاد احتلال سورية واستولى على خزائن زنوبيا الهائلة إمبراطورة الشرق... لقد حاول الصليبون القادمون من الجنوب (فلسطين) الوصول إلى دمشق ففشلوا.. وقد ساعدت السواقي المتشابكة والغابات الكثيفة المحيطة بالمدينة على صمودها..."
وبمقدار ما كان القطار يقترب من المدينة كنّا نشاهد حولنا الخمائل الهرمية الخضراء، وعرائش العنب والحدائق الغناء والبيوت الملونة (الفيلات) كأنها الأقفاص، والأكشاك البلورية الزاهية كأنها الشمعدانات، والصواوين المبنية بجذوع الحور.. والشرفات الطينية والمقاهي المعلقة المطلة على الشلالات، والمقاهي التي تغمس أقدامها بمياه النهر، والمقاهي القائمة المطلة على الشلالات، والمقاهي التي تغمس أقدامها بمياه النهر، والمقاهي القائمة على الجسور الخشبية، والمعششة في الجزر الصغيرة أو المتوغلة بين أشجار الصفصاف...
إن ما نشهده هذه الأيام في دمشق ليس نتيجة سكرة المياه الهادرة ونشوة الخضرة... فسورية الكبرى العربية العطشى لا تعرف الاستماع إلى خرير الينابيع ولا تعرف المياه الرقراقة التي تعكس ظلال الحور...