فهرس الكتاب
أما أنت يا دمشق... يا"عين الشرق ويا"منافسة الخلد"ويا"فردوس الأرض"فإنني الآن أفهمك وأفهم نبيك (صلى الله عليه وسلم) (15) الذي تأملك وهو على ظهر البراق المجنح خلال ليلة مقمرة... فاختار العودة إلى الجزيرة العربية الجرداء لأنه رفض استبدال لذات خضرتك الأرضية، وهدير مياهك الصاخبة بفردوس السموات..."
دمشق:
دمشق وفجأة أصم آذاننا الصراخ... الصراخ الحاد والهتافات..."الاستقلال المحبوب""الحرية""المسيرة السورية... الضوضاء.. والصخب والزحام..سيل عرِم من البشر وحركة مستمرة... أسرعت إلى نافذتي.. قلت:"سبحان الله"كما يقول العرب إن الشمس تسطع دائمًا فوق دمشق.. إنها شمس لامعة تداعب الجماهير الحاشدة التي لم تشاهد عيناي أكثر منها بريقًا وألوانًا زاهية... إنها جماهير شرقية حقيقية شديدة الزخرفة.. إنها جماهير ألف ليلة وليلة... ومن بينها فرسان في منتهى الروعة ورجال شديدة الزخرفة... اللافتات والأعلام ومرشات ماء الورد والمباخر... وهناك على جوانب الشوارع العديد من الباعة والتجار والحمالون واللصوص والشحاذون وقارعو الطبول... والأطفال الصغار الذين يرتدون أجمل الملابس الزاهية فهم يحتفلون مع آبائهم بالأعياد العربية... إنهم كحوريات الجنة، أو كالأطفال في عيد القربان المقدس.. إنهم محمولون على أكتاف الآباء بكل حنان.. يضمون أرجلهم حول أعناق آبائهم أو محمولون على بغال مزينة بريش النعام والقلائد الزرقاء..."
كان كل هذا"الإسلام الإسطوري"يتدفق كالبحر أمام فندقي فيسرع أحيانًا، ويتلاطم أحيانًا أخرى ثم ينسحق بعنف على حافتي نهر بردى.. ذلك أن"بردى"حاضر هنا في قلب دمشق.. إنه مظلوم صامت ومسجون بين رصيفين حديثين ولكنه مع كل ذلك مبتهج بكل ما ينعكس على صفحة مياهه الصافية (16) ... وبكل الألق والألوان التي تلمع في أمواج مياهه الباردة مما يعيد إليه اسمه القديم"نهر الذهب"...