فهرس الكتاب
يا إلهي... كيف يمكن أن يحلم الإنسان بمواكب أكثر عروبة، وأكثر تلوينًا من مواكب حرفيي دمشق، بدءًا من بائعي السجاد إلى عمال المقاهي الذين يحضرون الأراجيل للزبائن... إن هؤلاء الحرفيين يتميزون براياتهم وأعلامهم التي يحملونها أثناء الحج إلى مكة.. هذه الرايات التي بقيت مطوية ستة أعوام (17) لم تخرج خلالها من الزوايا والمساجد...
يا له من منظر أخاذ... إنهم يحيطون بنهر بردى وينشدون ويهتفون على أنغام الدربكات والمجاوز (18) ... ويرفعون أعلامهم المقدسة الحمراء والزمردية والنرجسية المطرزة والمزركشة بخيوط الذهب...
وها هم قد أخذوا يرقصون... فتنتشر ألبستهم كأنها الأجنحة وتتلألأ مسابحهم وتلمع الأهلَّة المركبة على ذرا حراب أعلامهم، إنهم في حالة نشوة عارمة تحت وهج شمس الشرق المقدسة وعلى ضفة النهر العظيم.
والآن جاء دور التلاميذ الصغار.. إن منظرهم يهز النفوس ولا ندري من أية واحة قدموا... كانوا يرتدون أثوابًا بيضاء كالملائكة وعلى رؤوسهم أغطية تقليدية، ويحركون بأيديهم مرشات للعطور ويشكلون أثناء مسيرتهم أقواسًا صغيرة من الخضرة، ويحملون فوق أكفهم ألواحًا خشبية تمثل القرآن الكريم المفتوح.. كتب عليه بأحرف ذهبية الآية الأخيرة من دروسهم:
(ختم الله على قلوبهم(...
وقد أخذوا ينشدون لحنًا حماسيًا عند اقترابهم من المنصة...
كان هناك ما هو أروع من الاستعراضات والمواكب... ألا وهو الجماهير نفسها التي كانت تتزاحم وتتعاظم على ضفتي النهر.. لدرجة عجز عن تنظيمها الفرسان النظاميون...
كل ما في دمشق من دواب (من حمير بغال وخيول رهوانية.. وخيول أصيلة.. وخيول سباق..) كلها كانت تتجول وعلى ظهورها الرجال والأطفال، وهي مزينة بالسروج الملونة، وريش النعام، وبعضها مغطى بعدة كاملة مزركشة تزينها المرايا الصغيرة والخرز الملون... والأهداب الصوفية والحريرية الزاهية..