فهرس الكتاب
وما أن أخليت الساحة من الشاعر وزمرته، حتى قفز إليها راقصان يحمل كل منهما بيده اليمنى سيفًا، وباليد اليسرى ترسًا، وأخذا يتبارزان ويقفزان قفزات غاضبة شيطانية، ويرددان بالتناوب وأهازيج تفاخرية تنتزع ضحكات المتفرجين، وتثير إعجاب الأطفال المتعمشقين على أغصان الأشجار...
ويبدو أن المتبارزين يرددان أهازيج شعبية تسخر من الحلفاء (19) بلغة غير لائقة... ذلك ما استطعت فهمه من تعليقات رفاقي المعطرين... لأنهم كانوا يضحكون ويبدو عليهم علائم الحرج... وعندما استفسرت من صديقي الرسام.. أجابني بما معناه"إنه كلام لا يمكن ترجمته!"...
في هذه اللحظة بدأت تصل إلى السراي بعض العربات ذات النوافذ المغلقة.. وسمعت الضباط يتهامسون ويقولون: ها قد وصلت الحريم.. فالتفت نحو النسوة القادمات وحاولت عبثًا لكي أميز وأتعرف على صديقتي ليلى والسيدة نخلة المأساوية... لأن السيدات جميعهن ملتفات بملاءاتهن ـ ...
يا إلهي.. كيف أستطيع الاستماع إلى أشعار الحمامة العاطفية ليلى وهي تلقيها أمام أمير النحل...؟
عبثًا فليس هناك موطئ قدم في القاعة... هكذا قيل لي.. إذن ليس أمامي إلا أن أتابع مرور المواكب الشعبية الباقية:
ها قد وصل إلى الساحة رتل من عشرين طفلًا يرتدون الكوفية والعقال الشريفي فتبدو لي رؤوسهم وكأنهم: علب جبنة الكامبيروا المدورة... ويعلق أحد المتفرجين:
ـ أنهم بؤبؤ عين الأمة
قلت: وهل عندكم أطفال آخرون مثلهم؟
أجاب زميلي: بالطبع وخاصة أطفال الشهداء الذين أعدمهم جمال باشا السفاح.. ... وأخيرًا انتهت المواكب والمظاهرات وحان الوقت لكي يلقي الأمير فيصل كلمته الرسمية.. وبدأ الضباط يدخلون إلى القاعة... أما أنا فقد غادرت الشرفة واتجهت مع صديقي الرسام توفيق طارق بك إلى المدينة.